الإثنين | 28/09/2026 - 10:39 مساءاً - بتوقيت القدس
تلفزيون السلام - فلسطين : سيمياء الذاكرة والمكان في فيلم (بيت في القدس)
(A House in Jerusalem)
الفيلم الفلسطيني (بيت في القدس) 2023 (A House in Jerusalem)، من إخراج مؤيد عليان وكتابة مع رامي موسى عليان ، ينتمي الفلم الى الدراما النفسية التي تقوم على الغوص في اعماق النفس البشرية للوصل للحقيقة تدور أحداث فيلم (بيت في القدس) حول الطفلة ريبيكا التي تنتقل مع والدها من إنجلترا للعيش في منزل قديم في مدينة القدس، في محاولة لبدء حياة جديدة بعد وفاة الأم. غير أن ريبيكا لا تشعر بالارتياح تجاه المكان منذ اللحظة الأولى، وتبدو غير قادرة على التكيّف معه. كان المنزل قد اقتناه جدّها سابقا ضمن حملات بيع المنازل التي أُخليت من سكانها الفلسطينيين. ومع الوقت، تبدأ ريبيكا برؤية فتاة غامضة تظهر لها وحدها داخل البيت ومحيطه، ما يعزز إحساسها بأن المكان ليس خاليا، بل يحمل أثرا لوجود سابق لم ينقطع. في المقابل، يتعامل الأب مع ما ترويه ابنته بوصفه انعكاسا لحالتها النفسية بعد الفقد، معتمدا تفسيرا عقلانيا للأحداث. ومع تقدّم السرد، تسعى ريبيكا إلى فهم طبيعة هذا الحضور الغامض، فتبدأ بالبحث في تاريخ المكان وعلاقته بسكانه السابقين.
الذاكرة التي ترفض أن تُمحى
لا تكمن إشكالية فيلم (بيت في القدس) وجود شبح أو أحداث غامضة بحد ذاتها، بل في محاولة تجاهل الماضي داخل مكان ما زال يتذكّر. فالذاكرة في الفيلم ليست خلفية صامتة، بل قوة فاعلة تفرض حضورها رغم محاولات الإنكار حول الفلم ان يتعدد بشخصيات . من هنا، يطرح الفيلم سؤالا غير مباشر حول إمكانية بدء حياة جديدة في مكان لم ينتهي ماضيه بعد، وحول ما إذا كان تجاهل ما حدث سابقا كافيا لتحويل المكان إلى بيت فعلي. تقوم الإشكالية الأساسية على أن البيت، رغم انتقال ملكيته قانونيا، لم يفقد علاقته بأصحابه الأصليين. فالمكان في الفيلم لا يخضع لمنطق العقود والملكية فقط، بل يحتفظ بآثار حياة سابقة لم تستكمل ولم يعترف بها.
وفي هذا السياق، يظهر الشبح بوصفه جزءا من الإشكالية نفسها، لا كحدث خارق أو عنصر تخويف، بل كتمثيل لذاكرة بقيت معلقة، ووجود لم يسمح له بالرحيل أو الاكتمال. إن حضور الفتاة الشبح يعبر عن فشل المكان في التحول إلى فضاء خال من الماضي، ويكشف أن ما تم تجاهله لا يختفي، بل يعود في صورة أخرى. فالشبح هنا ليس شخصية مستقلة، بل علامة على تاريخ لم يغلق ، وأن الفيلم لا يتعامل مع الفتاة على أنها شبح بالمعنى المتداول، بل يقدمها كشخصية حاضرة داخل السرد، تتفاعل مع المكان ومع ريبيكا، وكأنها جزء من نسيج البيت نفسه، لا عنصرا غريبا عنه.
يقدم الفيلم هذا الصراع من خلال تجربتين متوازيتين: تجربة الأب، الذي يحاول بناء حياة جديدة عبر تجاهل تاريخ المكان والتعامل معه بوصفه وضعا طبيعيا . وتجربة ريبيكا، التي تعيش الحاضر متأثرة بما يحمله المكان من ماض لا يمكن فصله عنه. هذا الاختلاف لا يعود إلى ضعف الطفلة أو هشاشتها، بل إلى كونها أقل قدرة على الإنكار، وأكثر استعدادا للإحساس بما تم تجاهله. وبذلك، تتحول إشكالية الفيلم إلى إشكالية أخلاقية قبل أن تكون نفسية أو سردية، حيث يضع المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة:
هل يمكن اعتبار المكان فارغا لمجرد أن ساكنيه غابوا؟
وهل يكفي الصمت كي تختفي الذاكرة، أم أنها تعود في هيئة حضور شبحي حين يتم تجاهلها؟
تبنى السردية في فيلم وفق زاوية نظر ذاتية (POV – Point of View) ، تضع المشاهد داخل وعي الطفلة ريبيكا، بحيث يرى الأحداث كما تراها وتشعر بها، لا كما تبدو لبقية الشخصيات. هذه الزاوية لا تُستخدم فقط لأسباب درامية، بل لتأكيد فكرة مركزية مفادها أن بعض الحقائق لا تظهر إلا لمن لم يتعلم تجاهلها أو التعايش معها بوصفها أمرا واقعا.تنطلق الفكرة المهيمنة في الفيلم من توظيف الحضور الشبحي بوصفه أداة دلالية، لا عنصرًا تخويفيا. فالشبح لا يقدم ككائن مستقل، بل كتمثيل لذاكرة لم تمحى، ووجود سابق لم يعترف به، ولا يزال مرتبطا بالمكان ، ومن هنا، يصبح الشبح علامة على أن البيت، رغم تغير ساكنيه وانتقال ملكيته قانونيا، لم يتحول إلى فضاء خال من ماضيه. ترتبط هذه الدلالة بشبكة من الرموز البصرية التي تشكل لغة المكان في الفيلم.
فـالبئر يحيل إلى الذاكرة المقموعة، حيث تخفى الأشياء بدل أن تمحى؛ فيه اختبأت رشا ( الشبح ) هربا من الخوف، وفيه وضعت الدمية ، لتعود ريبيكا وتبحث عنها بوصفها أثرا لما أُريد له أن يختفي. وهكذا يصبح البئر مساحة تجمع ما تم إقصاؤه قسرا، وما ظل حاضرا رغم محاولات الإخفاء.
والدمية المطرزة تتجاوز كونها لعبة طفولية لتغدو رمزا للهوية والانتماء بما تحمله من أثر يدوي وثقافي
لا يمكن تعويضه ويكتسب العثور عليها داخل البئر دلالة خاصة ، إذ يربطها بمكان الإخفاء والنسيان القسري، ويجعلها أثرا أُخرج من عمق الذاكرة المقموعة إلى السطح
أما النفق، فيرمز إلى مسار خفي داخل المكان، يسمح بالحركة بعيدًا عن الرقابة، ويستدعي في السياق الفلسطيني صورة أنفاق المقاومة بوصفها وسيلة للتحرّك في ظل الإغلاق والمراقبة، غير أنه في الفيلم لا يقود إلى الهروب، بل يعيد الدخول إلى البيت نفسه، في إشارة إلى أن ما أُخفي في الماضي يعود ليكشف حضوره في الحاضر. ولا يبقى هذا الصراع محصورا داخل البيت، بل يتسع مع خروج ريبيكا إلى الفضاء العام، حيث تنتقل من مواجهة ذاكرة خفية إلى الاصطدام بواقع مكاني واضح.
طمس الذاكرة قبل أن تُقال
تبدأ دلالة المراقبة في الفيلم قبل ظهور الجدار وأدوات الرصد المادي، من خلال مراقبة ريبيكا في الفضاء الرقمي. فمجرد قيامها بنشر صورة للمنزل وطرح سؤال بسيط حول مالكيه السابقين كان كافيا لاستدعاء الشرطة والتحقيق معها ومع والدها. لا ينظر إلى هذا السؤال بوصفه فضولا طفوليا بريئا، بل يعامل كفعل مريب يستدعي التحذير والضبط، ما يكشف حساسية المعرفة المرتبطة بتاريخ المكان.
يشير هذا التدخل المبكر إلى أن المراقبة لا تستهدف الفعل بقدر ما تستهدف السؤال نفسه، بوصفه مدخلا لاحتمال كشف ما تم إخفاؤه. ويأتي تحذير الشرطة لوالد ريبيكا بمثابة رسالة ضمنية مفادها أن البحث في تاريخ البيت غير مرغوب فيه، وأن الصمت هو الإطار المقبول للتعامل مع الماضي. فالمشكلة هنا ليست في استخدام وسائل التواصل، بل في محاولة إعادة فتح قصة يراد لها أن تبقى مطموسة. هذا المعنى، لا تظهر المراقبة كإجراء أمني عابر، بل كآلية تهدف إلى طمس الذاكرة ومنع تداول الحقيقة قبل أن تتحول إلى وعي أو معرفة عامة. ويكشف الفيلم من خلال هذه اللحظة أن السيطرة لا تبدأ عند الجدار أو الكاميرا، بل تبدأ عند منع السؤال وضبط اللغة وحصار الفضول، حتى لو صدر عن طفلة. غير أن هذه السيطرة سرعان ما تتجسّد بصريا لاحقا في مشاهد جدار الضم، وكاميرات المراقبة، وأبراج الرصد، بوصفها الامتداد المادي لما بدأ كقمع غير مرئي لتؤكد
أن ما يمنع معرفيا يحاصر لاحقا مكانيا وبصريا..
عودة الغائب إلى موضعه ...
تشكل نهاية الفيلم ذروة رمزية تتكثف فيها دلالات المكان والذاكرة. فسقوط ريبيكا في البئر لا يقرأ كحادث درامي، بل كنزول إلى عمق الذاكرة، حيث يلتقي فقدها الشخصي بذاكرة المكان المقموعة. ويغدو الماء وسيطًا بين التذكر والنسيان، فيما تعود قطعة القماش من فستان الأم لتؤكد اكتمال الدائرة السردية بين المشهد الافتتاحي والختام، وتحول المواجهة مع الحزن إلى لحظة وعي لا إنكار. يكشف أن الشبح لم يكن كيانا خارقا، بل تمثيلا لطفولة توقّف زمنها وذاكرة لم يعترف بها. ويأتي تدخل الشرطة في لحظة الكشف ليعيد فرض منطق القانون والحدود، مؤكدا أن الاعتراف الإنساني لا يكفي ما دام الماضي غير مسموح له بالحضور.
ندين اشتي التميمي
| الفجر | 05:10 |
| الظهر | 12:30 |
| العصر | 03:55 |
| المغرب | 06:29 |
| العشاء | 07:51 |