الأخبار :
النكبة:ذاكرة مدن ليست من الملح..!
الإثنين | 17/05/2010 - 05:30 مساءاً
النكبة:ذاكرة مدن ليست من الملح..!

الكاتب: أكرم عطا الله


ليتها كانت ذاكرة من ملح ، ووطن من شموع ، لكنها ذاكرة من صخور البحر ووطن من لحم ودم يجري في الأوردة والشرايين ليصب في القلب المكسور حنينا إلى الحلم المسروق، بجباله وهضابه ووديانه وسهوله وأحراشه ورماله التي شهدت ميلادنا منذ القدم وامتصت عرق جباهنا ، وشهدت تشقق أقدامنا حين لم يكن أهلنا يعدون الخطى وهم يسيرون بين حيفا ويافا وعسقلان والقدس ،وتلك القرى التي احتضنت ما يكفي من الذكريات لجيل يسير نحو نهايته مثقلا بمرارة الرحيل .. جيل أصيب بانحناءة دائمة في عموده الفقري بعد أن سار طويلا منتصب القامة يمشي في فلسطين التي تأسر زوارها الغرباء بعد أن أسرت أهلها .


جيل كان يتنفس هواء البحر القادم من العالم المفتوح وأوروبا على مدنه الساحلية التي كانت الأكثر حضارة بين مدن الشرق القديم والحديث هو الجيل الذي امتص رحيق الليمون وزرعوا الزعتر وحصدوا بالمنجل تلك السهول الباهرة .

هي الذكرى الحزينة للموكب الأكثر شقاء في التاريخ الذي يروي سيرة من مروا على الطرقات من رفح حتى الناقورة وحرقوا المسافات والأزمنة والعصور ليشيدوا على هذا الوطن الكبير ملحمة تشبه الأسطورة حين اكتشفوا الزراعة قبل عشرة آلاف عام، وبنوا أول مدينة في التاريخ أريحا مدينة القمر ليهدوا للعالم أعظم وأهم ثورتين في الزراعة والمجتمع المدني لتقف البشرية على أقدامها اعترافا بهذه العظمة وهذا الفضل المدهش .

هذا كان قبل أن يرسل إله الشر" يهوه "قاتله الأول يوشع بن نون ليحرق المدينة الأولى ..!أرأيتم من هم أعداء الحضارة و لا زال ورثته قابضون على نصل سيفه على رقابنا ولا زال الدم يسيل .

وكأن علينا أن نصارع كل آلهة الشر التي اخترعها الإنسان وهو يصنع أسطورته المبكرة ست وشيفا وتيامات وأهرامان كأنها تحالفت علينا جميعها ،فقتلت حورسنا ووزعت حسده كما أبيه في كل قرية أو مدينة ساحلية لنا فيها بقايا روح لم تنكسر بعد وهي تبحث عن عدالة غادرت قاموس البشرية . وكأن علينا أن نبقى في مواجهة دائمة مع قدرنا.

الكتابة عن النكبة والوطن ترش ملحا على جرحنا المفتوح، تنهار حينها كل سدود الدموع في المقل لتكشف ضعفنا وضعف عواطفنا ،وسقوط مصداتنا النفسية أمام الحب ،حب المدن الحالمة والقرى الوادعة ،وألم الحرمان ليصبح النسيان في لحظة من شرود العاطفة أمنية بعيدة تخفف الوجع علها تبدأ بنا سفر العدم قبل أن ندفع فاتورة سفر التكوين ، وكأن الحياة حادثة طرق انفلتت فرامل الجنون فجأة واحدة ولا سوانا في شارعها لنكون ضحيتها الدائمة .

أنا جائع لمساء في مدن أحلامي البعيدة القدس وحيفا وعكا فالأولى دخلتها خلسة والأخريات تكدس بنك أحلامي المزدحم بلوعة الرغبة بالزيارة ، أنا لا يعيدني من التيه سوى أن أضيع في شوارع يافا لتأخذني إلى ما لا أعرف العودة سأصحو فقط على قبلة من شفتيها المفتوحتين للبحر .
أحن إلى تلك المدينة التي تركت فيها بعضا من رائحتي هناك،ولا زال ظلي سائرا بين شوارعها العتيقة، فقد ذهبتها قبل عقدين متأملا فاكتشفت أنها تشبهني فالمدن تشبه أصحابها، ولا زلت عاشقا لتلك التفاصيل منذ سحرتي المدينة فالتصقت بها ،فالعشاق لا ينفصلون .

كان شلومو يسير على الطرف المقابل للرصيف ، كان علي أن أمثل دور الضيف والتزم بصرامة شروط الضيافة ، ويلبس شلومو ثوب المضيف ...يا لسخرية الأقدار حين تنحرف الحياة وتنقلب الأدوار في فلم تراجيدي طويل ودراما بنكهة العلقم وكل حدث فيها يحتاج إلى أنهر من الدم وأنهار من الدموع ،ونحن نمثل دور الضحية والمجرم وجمهور المشاهدين المبتلة مناديلهم لفرط ما بكوا لبؤس المشاهد على مسرح العبث في التاريخ.
من حقنا أن ننفجر حنينا وحبا ، أن نجهش في البكاء طويلا أن نتلوى بنار الحسرة أن نحاول أن نداوي القلب المثقوب حزنا على الوطن ، أن نحاكم التاريخ على مؤامراته الدائمة ضدنا ، ضدنا فقط كأن الشوق الدائم هو قدرنا ولكن من حقنا أيضا أن نسعد كثيرا بتمردنا العفوي والمذهل أمام مؤامرة التاريخ الذي يريد أن يخرجنا منه ويحكم علينا بالإعدام شوقا .
نرفع أشرعة أحزاننا وآلامنا التي تجلدنا بها الذكرى الكئيبة. لنخز في عباب الشوق نحو الوطن ولا نأبه حين تلطمنا أمواج الحنين الهادرة وتقذف بنا إلى شواطئ اليأس والعدم الذين رفض شعبنا أن يستسلم لها ويبدأ في كل مرة رحلة جديدة في الصعود والمسير .. أما آن لابن بطوطة الفلسطيني أن يستريح .؟

يحرقني صديقي ألما وهو يرسل لي صور مدن فلسطين عبر البريد الالكتروني ليفتح كل الجروح مرة واحدة التي أحاول مداواتها بالنسيان إلى ما شاء الله والأمل بأحزابنا وقواه التي تسير و إن ببطء نحو هدفي وحلمي البسيط أن أكون في بلادي المفتوحة لكل الكون والمغلقة أمامي حتى من زيارة أمتص فيها قطرة ندى من على ورقة من شجرة صنبور في غاباتها علها تطفئ ظمئي المؤقت والدائم.
كيف يصاب التاريخ بهذا الجنون ليذكرني أن لولا انحرافه لكان بإمكاني أن أصحب عائلتي في نزهة برية في غابات الجليل ،ونجلس على ضفاف طبريا ،ونرى العالم من فوق جبل الشيخ ،ونبحر بعيدا من حيفا ،ونسير على الأرض التي سار عليها الرسول، والشوارع العتيقة حين مشى عيسى ،وبطولات أحمد الجزار في عكا ،وملاحم صلاح الدين، وأن أمضي حياتي سائحا في وطن ليس سوى مدينة أحلام كبيرة فيه من فائض الحب ما يجعل من السعادة حياة لا تنتهي وحين تعود الذاكرة هناك أشعر ببحة تخنقني حتى لا أصرخ .. أريد وطني....أن أحيا ككل البشر بأوطانهم.
تعبنا لفرط ما انتظرنا من عودة تزداد المسافة بيننا اتساعا وتلسعنا أفعى الذاكرة في كل موسم نكبة وذكرى نكبات استنسخت ذاتها لتعشش فينا، ليتها ذاكرة من ملح ووطن من حلم يغادر مع أول إفاقة لنستريح من وجعنا الذي لا يفارق حين نتذكر هناءة لحظة قطاف عنقود من دالية العنب المعلقة على صدر حيفا وحبة برتقال معلقة على جبهة يافا.

طالت عربتنا في وطننا ،أمدها أبناء جلدتنا بما يكفي من أكسجين الحياة وما يكفي من موت الحلم حين جزوا عظام بعضهم أمام بعضنا قبل أن يطفئوا ما تبقى فينا من أمل و إرادة كانت يوما تكفي لاشتعال الأرض وتوزع على العالم صمودا وكبرياء وثقة بالعودة فألقوا بننا إلى بئر الخيبة كما يوسف .
والمجرم لم يكتفي بجريمته الكبرى بل واصل التنكيل بنا حد الاعتداء على ذاكرتنا ليفيق جيل على أسماء مشوهه للمدن فتصبح يافا يافو وعكو بدل عكا و يريحو بدل أريحا وكأن الفلسطيني على استعداء دائم مع حرف الواو ألا يكفي استيطان الأرض ليستوطنوا الذاكرة أيضا ؟؟؟
هنا من غزة تشير كل بوصلات الروح إلى الشمال ، ولا ترى الروح أن للأفق جهات أربع فقط .. شمالا... شمالا .

فيا أيها المدن التي تسكنني ولا أسكنها أعطني روحي التي لا زالت معلقة على صليبك أو خذي ذاكرتنا معك، ففي ذكرى النكبة تندلق العواطف لنعود كالأطفال اليتامى حين يصحون بلا أم سرقها القدر. ............ولكن في السياسة ليس هناك متسع للعواطف ...!


[email protected]





التعليـــقات

اعلان خارجي
 
طقس فلسطين

أوقات الصلاة
الفجر 06:08
الظهر 12:53
العصر 03:53
المغرب 06:15
العشاء 07:38
استفتاء السلام
هل تتوقع وصول العالم للقاح فعال ضد فيروس كورونا؟
0
0

ينتهي التصويت بتاريخ 22/04/2020

دراسة حديثة: النساء يمتلكن ذاكرة أقوى من الرجال.. والسبب "غر ...
تلفزيون السلام - فلسطين - كشفت دراسة علمية بريطانية حديثة، أن النساء يمتلكن ذاكرة أقوى من الرجال، ...
سبعة اسباب مذهلة تجعلك تشرب القهوة يوميا
تلفزيون السلام - فلسطين :تعد القهوة المشروب الرئيسي عن الكثيرين، فشرب فنجان قهوة في الصباح، خاصة في ...
دراسة: القهوة تقي من مشاكل الكبد مع التقدم في العمر
تلفزيون السلام - فلسطين :  خلصت دراسة إلى أن شرب القهوة يقي من مشاكل الكبد في المراحل ...
كيف تحضر جسمك لصيام سهل؟
تلفزيون السلام - فلسطين :  تفصلنا أيام قليلة على شهر رمضان، فترة يفضل أن يتم استغلالها لتهيئ ...
الغذاء السليم والرياضة وجهان لعملة واحدة مع المدرب الرياضي و ...
تلفزيون السلام - فلسطين :  كثيرٌ ما يدور في جَعبَتنا ويلمع في أذهاننا موضوع الحفاظ على الرشاقة ...