الأربعاء | 17/06/2026 - 03:34 مساءاً - بتوقيت القدس
تلفزيون السلام - فيصل الحسيني ، الرحيل المبكر!
عاطف سعد
30 أيار 2011
لم يسبق أن كانت لي علاقة شخصية مع الراحل فيصل الحسيني. لكن وبعد عشر سنوات على رحيله المبكر، ما زالت شخصيته وروحه حاضرتان في ذاكرتي. يبدو فيصل الحسيني لمن يلتقيه أول مرة، شخصا لطيفا، ودودا، لا تفارق الإبتسامة محياه. يثير في النفس إنطباع يوحي بأنها تتعامل مع شاعر مرهف الإحساس لا دخل له بالسياسة. يتطور الإنطباع مع تكرار المناسبات التي تلتقيه فيها. في بيته، في حي الصوانة المقدسي، وبعد أن فرضت إسرائيل "الحبس المنزلي" عليه بمسمى الإقامة الجبرية، يرد أمام صحفيين ودبلوماسيين وسياسيين وطنيين، بنبرة مفعمة بالتحدي: "الإقامة الجبرية لن تحد من نشاطي السياسي لصالح شعبي! ومطاردة إسرائيل لن تخيفني .. لن تثنيني عن الدفاع عن عروبة القدس وحق الشعب بتقرير مصيره!" إسرائيل أرادت عزل الحسيني وحصر تأثيره. وهي لعبة قمعية لطالما إستعملتها أنظمة الإستبداد والإستعمار ضد المناضلين. لكن السحر إنعكس على الساحر! صار بيته منتدى مفتوحا للناس. قال دبلوماسي " إسرائيل أرادت عزله (الحسيني) عن الشعب، فجاء الشعب إليه."
من اللقاء، يتولد إنطباعا إضافيا يفيد بأن الرجل، يستحوذ على قوة داخلية تضفي على لطفه وإبتسامته، عنادا يلازم القادة المتمرسين.
ما أثار حنيني لذكراه، بطاقة دعوة لحضور حفل تأبين الأربعين للشهيد الحسسيني الذي جرى عقده في مركز شباب مخيم عسكر يوم السبت الموافق 14 تموز 2001. كانت بطاقة الدعوة ما زالت معلقة على لوحة في مكتبي وبجانبها صور للرئيس الراحل جمال عبد الناصرو للشهيد الراحل أبو علي مصطفى وللراحل بشير البرغوثي و كراس تأبين للراحل وحيد الحمد الله. فجأة تذكرت الموت! وماذا يعني الرحيل الأخير. وما يعنيه للباقين.
عدت لإعادة قراءة عبد الرحمن منيف في رائعته "عروة الزمان الباهي".
يكتب منيف في مقدمة كتابه، " إن الموت الذي أخذ يعصف قويا مستبدا بأعداد كبيرة من جيل الباهي، لا بد أن يقدم درسا نموذجيا لما يجب أن يعمل الآن .. وقبل فوات الاوان! فالفسحة تضيق، والأرض تميد تحت الأرجل، أما إنتظار الوقت المثالي، الأكثر أمنا، للإدلاء بالشهادات وتدوين التجارب فإنه تعويل على السراب. كما أن العزوف عن قول الحقيقة كالمساهمة في إخفائها أو التواطؤ عليها."
لا أدع بأن لدي الكثير من التجارب الشخصية مع الراحل الكبير.
لكن ما حصل معي من تجارب بسيطة و قليلة مع الحسيني تفسر لي لماذا إحتفظت بكراس تأبين "أمير القدس" طوال عشر سنوات.
في غمرة الحصارات العديدة التي فرضتها سلطات الإحتلال على جامعة النجاح بنابلس، أذكر الحسيني وهو يتصدى إعلاميا وسياسيا لأحد هذه الحصارات القاسية. كانت نجوميته الإعلامية تشق طريقها بقوة في المشهد السياسي الفلسطيني. فإلى جانب مكانته القيادية المحترمة في الحركة الوطنية، أراد توظيف "إنتشاره" الإعلامي في الصحافة الإسرائيلية والأجنبية، فجاء مع طاقمه إلى نابلس وأنشأ غرفة عمليات، في بيت المسنين، التابع لجمعية الهلال الأحمر، وتبعد خطوات عن الحرم الجامعي، ليتابع عن قرب حصار الجامعة. حظر التجول على المدينة والحصار المشدد على الحرم الجامعي، لم يكبحا جماح الحسيني من التصدي للحصار وفضحه وتجنيد آخرين بالإنخراط في معركة مواجهة الحصار وكسب التعاطف والمساندة الدوليين للمحاصرين. كان متأهبا دائما للرد، على مكالمات وإستفسارات الصحفيين وتزويدهم بالمعلومات والتعقيبات التي يطلبونها. وكنت أحدهم. كانت تعقيباته مختصرة وملائمة للنشر وبإنجليزية تناسب معايير وكالة "رويترز" التي عملت بها مراسلا حرا في ذاك الوقت.
في أواسط تشرين أول 1991، تشرفت بمهمة أوكلني بها الراحل بشير البرغوثي، رئيس تحرير "الطليعة" المقدسية، للإنضمام للبعثة الإعلامية الفلسطينية لتغطية وقائع مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط. فيصل ترأس الفريق. فيما ترأست البعثة الإعلامية السيدة حنان عشراوي، بإعتبارها المتحدثة بإسم الفريق .
في صباح يوم التاسع والعشرين من تشرين أول إحتشد أعضاء الفريق من مفاوضين وإعلاميين وإداريين، في الشارع المقابل للفندق الوطني في القدس الشرقية المحتلة، ليسافروا معا إلى العاصمة الإسبانية مدريد عبر عمان.
في ساعات الصباح الباكر، بدا مزاج المحتشدين متوترا وقلقا. لكن المزاج أستبدل لاحقا بعد بمزاج التحدي والعنفوان بسبب عاملين: دينامية فيصل وتحركه الدؤوب بين المنتظرين في ردهات الفندق والشارع ومن أخذوا مقاعدهم في الباص؛ ووصول جموع شعبية غفيرة ،لمنطقة الأوتيل الوطني، جاءت من مناطق مختلفة من الضفة الغربية لوداع الفريق وتشجيعه. لوحوا بأعلام وبيكوفيات وبعضهم تحلقت الكوفيات حول أعنقاهم. ومنهم كما أذكر إمرأة كانت ترتدي ثوبا قرويا فلسطينيا، وكان شعرها مغطى بوشاح أبيض. قامت على نحو مفاجئ بمسك يد الحسيني، فيما أشهرت بيدها الثانية على مرمى بصره مفتاحا قديما. قالت، " جئت من مخيم الدهيشة لأقول لكم الله معكم. خذ هذا المفتاح معك أمانة! إنه مفتاح دار أهلي في دير ياسين. لا تنسونا! لا تتنازلو!". وأطلقت زغرودة. إقشعر بدني وأنا أتابع المشهد! بهت الحسيني للحظات. ثم رد بلطف يدها التي تحمل المفتاح قائلا،" هذه أمانة غالية جدا جدا. أبقيه معك. سيأتي يوم آخر تحتاجينه ونحتاجه. اليوم ليس هو الوقت. لن نخذل اللاجئين. لن نخذل شعبنا."
كانت المرة الأولى في حياتي أسافر لبلد أوروبي. ومثل كثيرين غيري ممن "إستضافتهم" سجون إسرائيل، فقد منعت لوقت طويل من مغادرة البلد. حملت معي شنطة صغيرة فيها ثياب وأغراض شخصية. وإحتفظت بأوراق السفر في حقيبة يد صغيرة. في فندق بلازا الفاخر، جاء موظفو دائرة الجوازات الأردنية وفي ساعات قليلة جددوا جوازات سفر العديد من أعضاء الفريق الفلسطيني وكنت أحدهم.
بين مطاري عمان ومدريد فقدت حقيبتي. لم أهنأ بإستشعار متعة الوصول لبلد تطأه قدماي لأول مرة. ضياع الحقيبة صار حكاية أو طرفة تناقلها الزملاء. أحدهم نقل الحكاية لرئيس الفريق. إستدعاني على الفور. وطلب من مساعد له بصرف 300 دولار لتعويض ما فقد. فوجئت ولم أدر كيف أرد. فرد بسرعة "المؤتمر سيفتتح أعماله بالغد. يجب أن تظهر على نحو لائق." لم يسأل لأي جهة أنتمي.
قبيل ساعات من بدء الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر مدريد، سأل صحفيون أجانب الحسيني، "ماذا تتوقعون؟". فرد قائلا، "ليس الكثير. لكن جئنا لنسرد حكايتنا للعالم عله يتحرك لإنصاف مطالب إنتفاضة أطفال الحجارة."
في رواق الفندق، الذي بدا واضحا، من رؤوس الثيران المعلقة على جدرانه، أن نزلائه الأصيلون هم من مصارعي الثيران الاسبان، كان الحسيني وعشرواي يحرصان على الحديث لأفراد البعثة الإعلامية الفلسطينية ولأؤلئك الزملاء والزميلات الصحفيين والإعلاميين، الذين أتوا من خارج الأرض المحتلة، الذين إتضموا لاحقا للبعثة، ويطلبان التعاون والمبادرة الدائمة لتسهيل وصولهما لممثلي وسائل الإعلام الدولية. كما شددا على رصد ردود فعل الصحفيين بعد إلقاء رئيس الوفد د. حيدر عبد الشافي لخطابه. كانا يقولان إننا أمام اكبر حملة علاقات عامة مع العالم لتحسين صورة نضالنا.
تحدث عديدون من القادة الدوليون قبل عبد الشافي. وتحدث يتسحاق شامير رئيس الوفد الإسرائيلي. شامير في كلمته، كاد أن ينسف المؤتمر عندما زعزع مبدأ ،" الأرض مقابل السلام". رفض شامير أن يقايض الأرض مقابل السلام. حديث شامير وتجهمه الشهير أثارا نفورا وإستهجانا في أوساط الوفود المشاركة ما وفر مادة دسمة للصحفيين للمقارنة بين خطابه وخطاب عبد الشافي الذي سرد "الحكاية الفلسطينية" من منظور شمولي خاطب فيها الإنسان المسام واليهودي والمسيحي" من أجل أن تكون قدسية الحياة أعلى سلم أولويات هذا العالم." وهي لحظات لا تنسى عندما توقف صخب مئات الصحفيين في المركز الصحفي الدولي ليستمعوا لعبد الشافي، وهو يقول مخاطبا قادة العالم وشعوبه والمجتمع الإسرائيلي، " نحن لا نقف أمامكم متسولين. بل نقف حاملين الشعلة.وعلى مدار هذا القرن، وقع شعبنا ضحية لأسطورة تقول، هناك أرض بل شعب ووصفنا بكل صلافة اننا الفلسطينيون غير المرئيين. ولكننا، وقبل هذا العمى المتعمد رفضنا أن نختفي ورفضنا تشويه هويتنا وجاءت الإنتفاضة (إنتفاضة أطفال الحجارة) شهادة على صمودنا وتصميمنا".
إستقبل الصحفيون الدوليون خطاب عبد الشافي بالتصفيق المتواصل. وهذه حالة نادرة. صيغ بلغة شعرية (غير بعيدة عن أسلوب الشاعر محمود درويش) ، تخاطب العقل بدون إغفال الأحاسيس والمشاعر الإنسانية ووقائع تاريخ الصراع. المهم هنا أن الخطاب عبر ببلاغة وصدق عما يطلبه الفلسطينيون من العالم.
وكانت فرحة كبيرة للراحل الكبير فيصل الحسيني الذي شاهدت ردة فعله هو: صافح وقبل كل من إلتقاه من زملاء وزميلات هرعوا إليه ولحنان عشرواي ولألبرت أغازريان ليوافوهم بردود فعل الصحفيين الأجانب على خطاب عبد الشافي.
في صحيفة اليوم الثاني خرجت صحيفة "الباييس" الإسبانية واسعة الإنتشار بعنوان إفتتاحي على صفحتها الأولى وبصورتين ظهر في إحداها عبد الشافي وقورا وفي الثانية شامير متجهما. أما العنوان فقال بتهكم مصارعوا الثيران الفلسطينييون ينطحون الثور الإسرائيلي.
| الفجر | 03:52 |
| الظهر | 12:40 |
| العصر | 04:21 |
| المغرب | 07:48 |
| العشاء | 09:29 |