السبت | 23/05/2026 - 07:27 مساءاً - بتوقيت القدس
تلفزيون السلام - فلسطين : كتب اسماعيل الريماوي: لم تعد التصريحات المتطرفة أو السلوكيات الاستفزازية التي تصدر عن بن غفير أحداثا عابرة يمكن فصلها عن طبيعة المشهد السياسي الإسرائيلي، بل أصبحت تمثل انعكاسا واضحا لتحولات عميقة يشهدها المجتمع الإسرائيلي باسره ، حيث يتصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة، وتتقدم الأفكار العنصرية والفاشية إلى مركز صناعة القرار، لتتحول من خطاب سياسي هامشي إلى سياسة رسمية تمارس على الأرض ضد الفلسطينيين وكل من يقف إلى جانبهم.
المشاهد التي وثقت ما تعرض له نشطاء "مبادرة أسطول الصمود العالمي" من تقييد وضرب وإهانة وامتهان للكرامة الإنسانية بعد اعتراض إسرائيل سفنهم خلال محاولتهم الوصول إلى قطاع غزة، لم تكن مجرد حادثة أمنية أو إجراء عسكري كما تحاول المؤسسة الإسرائيلية تصويره، بل كشفت جانبا من العقلية التي تحكم التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين والمتضامنين معهم، وهي عقلية تقوم على القمع والإذلال ونزع الإنسانية عن الآخر.
إظهار وتباهي المسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير، مشاهد التنكيل بشكل علني، والتعامل معها باعتبارها إنجازا أمنيا، يعكس حالة خطيرة من التوحش السياسي والأخلاقي داخل بنية الحكم الإسرائيلي، ويكشف كيف تحولت سياسات القمع إلى أدوات دعائية تخاطب جمهورا داخليا يتجه بصورة متسارعة نحو مزيد من التطرف والعنصرية والتلذذ في سحق الاخر .
لكن ما تعرض له نشطاء السفن الإنسانية ليس إلا صورة مصغرة لواقع أكثر قسوة يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، فمنذ سنوات طويلة، تتوالى شهادات المعتقلين الفلسطينيين والمؤسسات الحقوقية حول الانتهاكات الواسعة داخل مراكز الاحتجاز، والتي تشمل الضرب والتعذيب والعزل والإهمال الطبي والتجويع والإذلال النفسي، إلى جانب سياسات العقاب الجماعي التي تستهدف كسر إرادة الأسرى وتحطيمهم معنويا وجسديا.
وخلال السنوات الأخيرة، ومع صعود اليمين المتطرف إلى مواقع التأثير والقرار داخل الحكومة الإسرائيلية، شهدت أوضاع الأسرى الفلسطينيين تدهورا غير مسبوق، حيث تصاعدت الشكاوى المتعلقة بتراجع الظروف الإنسانية داخل المعتقلات، وازدادت التحذيرات من سياسات تستهدف تحويل حياة الأسرى إلى جحيم يومي عبر التضييق المستمر وتقليص الحقوق الأساسية ، الى إقرار قانون إعدام الأسرى.
كما تتحدث تقارير حقوقية وشهادات متعددة عن انتهاكات خطيرة داخل مراكز الاحتجاز، تشمل أشكالا متعددة من العنف الجسدي والنفسي، وسط اتهامات متزايدة لإسرائيل بممارسة سياسات تنتهك القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الأسرى والمعتقلين.
ولعل المشهد الأكثر إيلاما يتمثل في حالة الأسرى المحررين الذين يخرج كثير منهم من المعتقلات بأجساد أنهكها الجوع والمرض والتعذيب، وقد تغيرت ملامحهم بصورة صادمة، ليحملوا معهم شهادات حية عن واقع إنساني بالغ القسوة خلف جدران السجون الإسرائيلية.
ما يجسده بن غفير اليوم لا يمكن عزله عن التحولات البنيوية التي تعيشها إسرائيل نفسها، فصعود شخصيات تحمل أفكارا متطرفة إلى مواقع القرار، وازدياد تأثير التيارات الدينية والقومية المتشددة، وتصاعد خطاب الكراهية والتحريض، كلها مؤشرات على انتقال إسرائيل نحو نموذج سياسي أكثر تطرفا، تتراجع فيه القيم المعلنة أمام منطق القوة والإقصاء والعقاب الجماعي.
في المقابل، يبرز سؤال أخلاقي وسياسي كبير أمام المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان: إلى متى يستمر الصمت أمام الانتهاكات المتواصلة؟ وإلى أي مدى يمكن للنظام الدولي أن يحافظ على مصداقيته إذا استمرت المعايير المزدوجة في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان والعدالة؟
إن خطورة ما يحدث لا تكمن فقط في الانتهاكات ذاتها، بل في تحولها إلى سلوك مؤسسي محمي سياسيا، وإلى ثقافة عامة يجري تطبيعها داخل المجتمع الإسرائيلي، فحين تصبح العنصرية جزءا من منظومة الحكم، ويتحول التعذيب والإذلال إلى أدوات سياسية، فإن القضية تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتصبح تحديا أخلاقيا وإنسانيا أمام العالم بأسره.
لقد بات إيتمار بن غفير بالنسبة لكثيرين رمزا لمرحلة إسرائيلية جديدة، مرحلة يتقدم فيها التطرف إلى الواجهة بلا أقنعة، وتسقط فيها الادعاءات الأخلاقية أمام واقع يكشف وجها أكثر قسوة وعنفا للاحتلال، وجها يعكس أن الفاشية حين تجد بيئة سياسية تحميها، فإنها لا تتوقف عند حدود القمع، بل تتحول إلى مشروع حكم كامل يعيد إنتاج الظلم بصورة أكثر وحشية وتنظيما.
| الفجر | 04:01 |
| الظهر | 12:36 |
| العصر | 04:17 |
| المغرب | 07:35 |
| العشاء | 09:11 |